وَسَائلْ تَنَّقيَة القَلْب وسَلَامَةِ الصَّدرِ
الحمد لله، نحمده على ما هدى وكفى، ونشكره على ما أجزل وأعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم واقتفى، وسلم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين؛ أما بعد:
عباد الله، العناية بسلامة الصدور وصفاء القلوب من أهم المهمات، ومن أعظم الغايات، وإذا سلمت واطمأنت هذه الصدور، تبعتها الجوارح في السعادة والراحة، وبصلاح القلوب تصلح الأعمال والأخلاق؛ ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [...ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ ]، وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ].
والقلب محل نظرٍ للرب جل وعلا، ففي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ ].
أيها الناس، سلامة الصدر وخلوُّه من الحقد والحسد هي خَصلة من خصال البر التي ينبغي للعبد أن يحرص عليها؛ لما فيها من الفضائل والأجر؛ ومنها ما ثبت في الأحاديث أن صاحب القلب السليم هو من خير الناس وأفضلهم؛ وقد "سُئل صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام:[ كل مخموم القلب، صدوق اللسان ]، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: [ هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد ].
وسلامة القلب راحة، وسببٌ من أسباب سعادة النفس وسلامتها، أوليس أهل الجنة يمرون بقنطرة تصفَّى نفوسُهم ويُنزع ما فيها من الغل، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا [الحجر: ٤٧]، وما ذاك، إلا أن الغل ينغِّص العيش، والجنةُ نعيمٌ كلها، فمن جاهد نفسه بإخراج الغل من صدره، وجد لذلك راحة وسعادة عظيمة، ولسلامة القلب ثمرات دينية ودنيوية، فسلامة القلب سببٌ لدخول الجنة، كما في قصة عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وكفى بذلك حاثًّا للمرء على الحرص على سلامة القلب.
عباد الله، إليكم بعض الأسباب التي من أخذ بها وحرص على تطبيقها بعد حول الله جل وعلا، عاش حينها سليم الصدر طيب النفس؛ من هذه الأسباب:
أولًا: حسن الظن بالآخرين، وحمل الكلمات والمواقف التي تصدر منهم على أحسن المحامل؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا"،
وقال الشافعي: "من أراد أن يقضي له الله بخير، فليحسن ظنه بالناس".
ولما دخل عليه أحد إخوانه يعوده قال: "قوّى الله ضعفك، فقال الشافعي رحمه الله-: لو قوى ضعفي لقتلني، قال الزائر: والله ما أردت إلا الخير، فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير".
ثانيًا: الدعاء والإكثار من سؤال الله؛ إن مِن أعظم ما يُعين على سلامة القلب كثرة الدعاء، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أدعية كثيرة أُثِرت عنه سؤال الله هداية القلب وسلامته وثباته،
أخرج مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [.. اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ...].
وأخرج الترمذي في جامعه من حديث أنس رضي الله عنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم-يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: [ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ].
وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ... وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: [ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا..] إلى غير ذلك من أدعيته صلوات الله وسلامه عليه.
وفي التنزيل علَّمنا الله دعوة عظيمة: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠]، فإنه من أعظم الأسباب لتحقيق المقصود وسلامة الصدور؛ فاحرصوا على الدعاء بسلامة الصدور من أمراضها، وجنبوها الحقد والحسد، فمن رزق الدعاء فإن الإجابة معه.
ثالثًا: التماس الأعذار، والتغاضي عن الزلات والهفوات، هذا كله من الأسباب الجالبة لسلامة الصدور؛ يقول أحد السلف: "التمس لأخيك المسلم سبعين عذرًا، فإن لم تجد فلعل له عذرًا لا تعلمه"،
ويقول ابن سيرين: "إذا بلغك عن أخيك شيءٌ فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه".
عباد الله: من المعصوم من الخطأ والزلات؟! إذا كان لا يسلم منها أحد، فقد قال بعضهم: "الفتوة التجاوز عن زلات الإخوان".
وإذا ملأ الشيطان قلبك على أخيك، تذكَّر سوابق إحسانه فإنه مما يعين على التماس العذر وسلامة الصدر، واعلم أن الرجل من عُدَّت سقطاته.
رابعًا: مما يعين على سلامة الصدور أن نتأمل في حال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وكيف تعامل بأخلاقه وسلامة صدره مع مَن آذَوه وشتموه وحاربوه، فلم ينتقم لنفسه أبدًا، بل عفا وأصلح عليه الصلاة والسلام، فكان أسلم الناس صدرًا، وأطيبهم قلبًا، وأصفاهم سريرةً؛ ففي يوم أحد شجوا رأسه، وكسروا رباعيته، ومع ذلك كله كان -بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- يمسح الدم من على وجهه ويقول: [ اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ].
ومن قبله كان يوسف عليه السلام مثلًا فذًّا في سلامة الصدر، فبعد أن فعل به إخوانه ما فعلوا، وبعد أن صار في منزلة يقدر فيها على الانتقام -أبى أن ينتقم منهم، ووفى لإخوته الكيل، ثم قال لهم: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف: ٩٢]، فعفا عنهم عليه السلام واستغفر لهم.
خامسًا: ويُعيننا على سلامة الصدر احتساب الأجر عند الله والزُلفى إليه، ويُعيننا على ذلك تذكُّر كثرة ثمار سلامة الصدر، وتذكُّر أضرار الأحقاد والضغائن.
وأختم بمثال واحد من السلف لمن تمتع بسلامة صدره على أعدائه، ألا وهو الإمام أحمد رحمه الله لما ضُرب في زمن المعتصم ضربًا شديدًا، فلما كان زمن المتوكل أحس بأذًى في ظهره، فإذا هي لحمة فاسدة قد التأم عليها الجرح، حينها لم يكن بدٌّ من شق الظهر وإخراجها، فكان رحمه الله كلما أحس بألم المشرط، قال: "اللهم اغفر للمعتصم"، فيا سبحان الله! يدعو ويستغفر لمن كان سببًا في ألمه وتعذيبه، أي نفوس هذه؟ وأي سلامة للصدور بعد هذا كله؟
نعم، إنه منطق عظيم لا تعرفه القلوب الضيقة، ولا تعيشه النفوس الصغيرة التي عشعش فيها الحقد والحسد.
فإن سلامة القلب بابٌ لطاعات كثيرة جليلة، فهي طريق لتحقيق الإخوة الإيمانية وطريق محبة الخير للغير، كما تُحب الخير لنفسك، وباب للدعاء للمسلمين في ظهر الغيب، وسببٌ لمكارم الأخلاق، وتحصيل عظيمِ أجرها كالعفو والصفح والدفع بالتي هي أحسن، وقد تقدم أنها سببٌ لدخول الجنة، وتحصيل الراحة والسعادة والعافية، وغير ذلك، أما الأحقاد والضغائن فجمرٌ يكوي صاحبَه كلما تحرَّك، والضغائن بابٌ للمظالم والآثام، تَقود إلى سوء الظنون والغيبة، والعقوق والقطيعة والضغائن طريق للحزن والضيق والأسقام.
فطيبوا قلوبكم عباد الله وطهروها مما يكدر صفوها من الأحقاد والضغائن ولآفات والأحقاد، حتى تذوقوا في دنياكم طعم السعادة، وتنالوا الأجر يوم القيامة، واسألوا الله دومًا سلامة الصدور وطهارة القلوب، واعلموا أن سوء الطوية وفساد الصدور من باطن الإثم الذي أُمرتم بتركه، ثم اعلموا أنه لا نجاة ولا فلاح يوم القيامة إلا من قدم على مولاه بقلب طيب سليم؛ كما قال الله تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَإِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
وصلى الله وسلم على نبيه القائل:
ولا تَباغَضُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوَانًا
، وعلى آله وصحبه أجمعين 

اللَّهُمَّ أَعِنِّا عَلَى ذِكْرِكَ
![]()
وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ![]()
